الحرية- فادية مجد:
تزايدت خلال السنوات الأخيرة مبادرات الادخار التشاركي داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، بعدما وجد الموظفون أن رواتبهم لم تعد قادرة على تغطية الالتزامات المتراكمة التي تتزايد شهراً بعد آخر، ومع اشتداد الضغوط المعيشية، برزت جمعية «آخر الشهر» كأحد أكثر الأساليب انتشاراً بين العاملين، نظراً لبساطتها واعتمادها على التعاون والثقة بين الزملاء، إضافة إلى كونها حلاً عملياً يخفف الأعباء دون الحاجة إلى قروض أو استدانة.
أمان مالي بلا قروض
وخلال تواصلنا مع عدد من موظفي مدينة طرطوس، أفاد لـ«الحرية» الموظف سامر حسن أن الجمعية نشأت تلقائياً داخل مؤسستهم حين أدرك عدد من العاملين أن الراتب لا يكفي لمواجهة أي ظرف مفاجئ، سواء كان إصلاحاً منزلياً أو مشكلة صحية أو التزاماً طارئاً لا يمكن تأجيله.
وأوضح أن كل مشارك يدفع مبلغاً ثابتاً شهرياً، فيما يحصل أحدهم على كامل المبلغ وفق ترتيب محدد أو وفق حاجة الموظفين، الأمر الذي من شأنه أن يوطد الثقة بأن الدور سيصل للجميع دون تأخير أو تمييز، مبيناً أنه استلم دوره مؤخراً، وتمكن من إصلاح سيارته دون اللجوء إلى الاستدانة، مؤكداً أن الجمعية تمنح الموظف مساحة أمان مالي، لأنها تعتمد على التزام جماعي، لا على حلول فردية مرهقة، مشيراً إلى أن وجود شخص موثوق يتولى جمع المساهمات شهرياً جعل العملية أكثر تنظيماً، وخلق شعوراً بالاستقرار داخل بيئة العمل.
تغطية المواسم واحتياجات الأسرة
ورأت الموظفة هناء محمد أن الجمعية أصبحت ضرورة مع ارتفاع التكاليف، إذ تعتمد على دورها لشراء مستلزمات المدارس أو تجهيز مؤونة المكدوس، أو تغطية نفقات موسمية لا يمكن تأجيلها.
وأكدت أن الاشتراك وفّر لها راحة نفسية وأماناً مالياً، وسمح بتلبية احتياجات الأسرة دون تراكم ديون، كما زاد الألفة بين الزملاء عبر التزام واضح منذ البداية، موضحة أن الجمعية ساعدتها على التخطيط بشكل أفضل، لأنها تعرف مسبقاً موعد حصولها على المبلغ، ما يجعلها قادرة على ترتيب أولوياتها دون ضغط أو ارتباك، خاصة في مواسم تتطلب مصاريف إضافية.
تنظيم مالي يضمن الاستمرارية
وأشارت المحاسبة ميساء إسماعيل، المشرفة على جمعية تضم 12 موظفاً، إلى أن التنظيم هو العامل الأهم لاستمرار الجمعية، وكشفت أنها واجهت تأخر أحد المشاركين ثلاثة أشهر، ما دفع بقية الأعضاء لتغطية حصته كي لا تتعطل الدورة، مؤكدة أن هذا النوع من التعاون يعكس قوة الروابط داخل المؤسسة، وشددت على ضرورة وجود جدول واضح وتوثيق شهري، لأن الاعتماد على الثقة وحدها قد يؤدي إلى خلافات عند التأخر أو الانسحاب، منوهة أن بعض الجمعيات تنهار بسبب سوء الإدارة أو غياب المتابعة، بينما تنجح أخرى لأنها تعتمد على قواعد واضحة منذ البداية، تشمل آلية الدفع، ترتيب الأدوار، وطريقة التعامل مع حالات الطوارئ.
مواجهة الطوارئ
وذكر أبو رامي- أحمد عمران أن الجمعية شكلت بالنسبة له وسيلة أساسية لتغطية النفقات الصحية الطارئة، إذ تمكن من دفع تكاليف عملية جراحية بسيطة لابنه دون انتظار نهاية الشهر، موضحاً أن بعض الموظفين يستخدمون الجمعية لشراء أجهزة منزلية، أو تجهيز منازل جديدة، أو تمويل مشاريع صغيرة، ما يجعلها أداة مرنة تلبي احتياجات متنوعة، مشيراً إلى أن الجمعية تمنح الموظفين شعوراً بالاطمئنان، لأنها توفر مبلغاً كبيراً دفعة واحدة، وهو أمر يصعب تحقيقه من الراتب الشهري وحده، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار.
تمويل مشاريع صغيرة
أما الموظفة نهلا حامد فأكدت أنها اشترت ماكينة خياطة عبر الجمعية وبدأت عملاً منزلياً إضافياً حسّن دخل الأسرة، معتبرة أن الجمعية تمنح الموظف فرصة لتنفيذ مشاريع لا يستطيع تمويلها من راتبه، موضحة أن هذا النوع من المبادرات يفتح الباب أمام تحسين الدخل، ويمنح الموظفين قدرة على تطوير حياتهم المهنية والشخصية دون انتظار فرص خارجية قد لا تأتي.
قراءة اجتماعية
من جهتها، أكدت لـ«الحرية» المرشدة الاجتماعية شادية أحمد أن جمعية آخر الشهر تمثل شكلاً من الادخار التشاركي يعكس قدرة المجتمع على ابتكار حلول ذاتية لمواجهة الضغوط الاقتصادية.
ورأت أنها تعيد بناء الثقة داخل بيئة العمل، لأنها تقوم على الانضباط والالتزام، وتخلق روابط اجتماعية تتجاوز حدود الوظيفة، مؤكدة أن توسع هذه المبادرات يعكس حاجة الموظفين إلى أدوات مالية مرنة تساعدهم على إدارة الأزمات الصغيرة والمتوسطة، لافتة إلى أن التنظيم هو العامل الحاسم في نجاحها واستمرارها.
وختمت بأن الجمعية، رغم بساطتها، تُعد مساحة تعاون تمنح الموظفين قدرة على الصمود، وتعيد إحياء قيم التضامن التي تميّز المجتمع السوري في ظل تزايد الأعباء.